أبو علي سينا

23

عيون الحكمة

( الفصل السادس : في نفى الخلاء ) وليس خارجا عنه خلاء ولا ملاء . فإنه لو كان الخلاء موجودا لكان أيضا متناهيا . فلو كان الخلاء موجودا لكان فيه أبعاد في كل جهة وكان يحتمل الفضل في جهات كالجسم . فحينئذ إما أن تكون أبعاد الجسم تداخل أبعاده ، وإما أن لا تكون . فإن لم تداخلها كان ممانعا فكان ملاء - هذا خلف . وإن داخلتها دخل أبعاد في أبعاد ، فحصل من اجتماع بعدين متساويين بعد مثل أحدهما - وهذا خلف . والأجسام المحسوسة يمتنع عليها التداخل من حيث لا يصح أن تتوهّم عليه التداخل وهي الأبعاد ، فإنها لأجل أنها أبعاد تتمانع عن التداخل لا لأنها بيض أو حارّة أو غير ذلك . فالأبعاد لذاتها لا تتداخل ، بل يجب أن يكون مجموع بعدين أعظم من الواحد كمجموع واحدين أكثر من واحد ، وعددين أكثر من عدد ، ونقطتين أكثر من نقطة . وليس أكثر من نقطة ، لأن النقطة لا حصّة لها في الكبر ، بل في العدد ؛ والبعد له حصّة في الكبر ، كالعدد له حصّة في الكثرة . ولو كان خلاء موجودا لما كان يختص فيه الجسم المحيط إلا بجهة تتعيّن ، والأجسام التي في الإحاطة إنما تتعيّن جهاتها بجهة هذا المحيط . فيجب أن يكون لهذا المحيط جهة ، إذ لذاته ليس به جهة بل بحسب شئ آخر « 1 » . ولو كان خلاء لكان لهذا الجسم حيز من الخلاء مخصوص ووراءه أحياز أخرى خارجة عن حيّزه لا يتحدّد بها حيّزه ولا تتحدّد هي لحيّزه ، فلم يكن وقوعه في ذلك الحيّز إلّا اتفاقا ؛ والاتفاق يعرض عن أمور قبل الاتفاق تتأدّى إلى اتفاق « 2 » ليست باتفاق ، فتكون حينئذ أمور سلفت أدّت إلى تخصيص هذا الحيّز

--> ( 1 ) الواو ناقصة في ص ، ح . - ( 2 ) ب : الاتفاق .